You are currently browsing the archives for the المقالات الصحفية category.

الأشعار

  • حوار الصحافة – رمضان يوليو 2012 كيف تستقبل شهر رمضان وماذا يمثل لك أستقبله كشهر له نكهة خاصة واحساس مختلف فهو يمثل غذاء للروح أكثر م
  • لقاء صحيفة المريخ أبدأ بسيرة ذاتية مختصرة ثم أواصل.. معز عمر بخيت – من مواليد مدينة أمدرمان – بيت المال. سكنت الخرطوم
  • لقاء شبكة ومنتديات الحفير شبكة ومنتديات الحفير: نرحب بسعادة الدكتور معز عمر بخيت، ونشكرك على قبول هذه الدعوة الكريمة…..
  • لقاء دكتور المعز – قوون 1)متي أحسست بموهبة الشعر ؟ منذ المرحلة المتوسطة 2)متي كتبت اول قصيدة ؟ في المرحلة الثانوية العليا 3)


كتبي

المقالات الصحفية

الثامن من مارس من كل عام هو يوم خاص بالمرأة للإحتفاء بها دولياً وفي نفس الوقت يصبح سانحة لمناقشة القضايا المختلفة التي تمس المرأة في محاولة لاستعادة التوازن الإنساني المفقود في حق المرأة. بالرغم من أنها محاولة نبيلة للتصدي للظلم الذي يقع على عاتق المرأة من كل جوانب البشرية لكن في رايي أن المرأة كائن مقدس ويجب أن تكون كل أيام السنة مخصصة لها. لا ليس الأيام فقط بل الساعات والدقائق والثواني لأنها نبض الحياة الحقيقي ولأنها فرح الإنسانية المشرق.

في وقت سابق كتبت عن المرأة وقلت لو أنه قدر لي أن أمسك بمقاليد الأمور في السودان خاصة وأننا نمر بفترة جديدة بها أمل لمستقبل ما في رحاب الإنتخابات القادمة لسلمت مقادير الأمور في حكومتي للمرأة. لكنني أتأسف اليوم لعدم ترشحي ليس حباً في السلطة ولكن لأنني لو قدر لي أن أفوز لحققت ما وعدت به في مقالي عن المرأة والذي أستعرض بعضه اليوم هنا احتفاءً وتقديراً لدورها في صناعة الجمال والسحر والعذوبة، وفي بناء الإنسان والأسرة والمجتمع، وفي قيام الحضارة فالأنثى حضارة.

و أنا أتجول بخاطرتي في ذاكرة العطاء الأنثوي، مررت على امرأة فرعون التي ضرب الله بها مثلاً للمؤمنين و على السيدة خديجة أول من أسلم بدعوة الرسول الكريم (ص) وعلى السيدة سمية أول شهيد في الإسلام. هذا غير العديد من النساء الذين أعادوا صياغة التاريخ البشري مئات المرات وتم إسقاطهن عمداً من مرافئ التذكار. وأنا بخارطة التجوال توقفت برهة عند بعض من واقع المرأة المفروض عليها الآن وهي تمارس عرض الأزياء والأشياء تحت سيطرة الرجل الذي يرسم لها حتى مشيتها ويلغي توافق مسيرتها. لم تستغرقني طويلاً الجوانب السلبية في تفاصيل النساء لأنني في لحظة خاطفة تدفقت من أوردتي أغنية البحر الذي سكنته المرأة قبل المياه فامتطيت موجة من الصدق العارم أخرجتني من جزيرة الوهم الحاضر الذي يشكل واقعنا الآن.

تاريخ العطاء الأنثوي في وطني لا حدود له ودور النساء في صنع وإدارة الأحداث الكبيرة يمتد بطول المدى برغم التعتيم المتعمد. وأجد فيما قدمته والدتي العظيمة الأستاذة زكية مكي عثمان أزرق عليها رحمة الله مثالاً رائعاً للعطاء الكبير بلا زخم، ومشاركة فعالة في بناء الوطن بدءاً من تربية النشء عبر مهنة التعليم السامية. كانت امرأة من نور، بعيدة عن الأضواء برغم شمسها المشرقة في كل مجال ولجته مثل العمل الاجتماعي كتكوين الاتحاد النسائي وجمعية المرشدات السودانية، كما أن العمل الطوعي كان من أهم معالم عطائها وحياتها. وهكذا توالت ينابيع العطاء الأنثوي في بلادي لتلغي بداخلي عتمة العطل الدماغي الذي يصيب عارضات الأزياء فيمشين على طاولة التداعي كمن لا مخيخ له. وبدءاً من الأسبوع القادم سأقوم على عدة مقالات بنشر مذكرات الوالدة عليها رحمة الله في هذا المكان تحت عنوان مشوار في حياة امرأة سودانية (زكية مكي عثمان أزرق).

في هذه اللحظات النادرة من عمر الحلم ألهمني الله باقتراح للأمة السودانية المغلوبة على أمرها ولو تم تنفيذه لحلت جميع مشاكلها و إلى الأبد. قبل الدخول إلي بادرتي العبقرية لابد من الاعتراف بأن للمرأة طموح سياسي واقتصادي وعلمي وأيديولوجي أصبح يتفوق في هذا الزمن الصعب على طموح الرجل بالإضافة لتفوقها العاطفي وحسن تصرفها. والأعظم من ذلك أن المرأة لم تعرف الفساد الذي يعشقه الرجل خاصة في مجال السياسة والذوق. وللمرأة حس خاص بالنظافة والجمال. كما تربي الأجيال و تتحمل الكثير من الأعباء المنزلية و الاقتصادية في هذا العصر القاسي. والشاعر نزار قباني يقول أن الأنثى حضارة وأنا أقول أنها تتفوق في حضارتها وتقدمها وانتمائها على الرجل بآلاف السنوات الضوئية.

الآن لا بد من القول أن الرجل فشل فشلاً ذريعاً في حكم السودان بسبب الصراع التستستيروني فخاب في جميع العصور القوم الذين ولوه أمرهم. دعونا الآن نقدم طرحاً استثنائياً يمنح المرأة قيادة مسيرة البلاد لفترة انتقالية غير مشروطة. اقتراحي أن تصبح المرأة حاكمة ورئيسة للوزارة ووزيرة للخارجية والداخلية والشئون الإنسانية والدفاع المشترك والمالية والاقتصاد الحر والتربية والتعليم والبحث العلمي والسياحة ولتبقى حاكمة للولايات ومحافظة للمدن. عندها سترون كيف سيحل السلام في الوطن وكيف ستخضر الأرض بالأشجار والأزهار والماء و الوجه الحسن. وكيف ستختفي الأوساخ من الطرق وستصبح الأرصفة على جميع الشوارع منسقة تحمل كل لمسات الجمال والأناقة وسينتحر الفساد و يهرب الظلم والظلام. انظروا إلى سبأ، فبلقيس لم تكن نبية ولا رسولة. وانظروا إلى اسكندنافيا التي تحكمها النساء كيف كانت قبل حكمهن حين حصدتها الملاريا وكيف هي الآن تقهر الطبيعة القاسية والموارد الضعيفة لتتحول لجنة على الأرض ولقوة اقتصادية ضاربة تصنع من الإبرة إلى الصاروخ.

امنحوا المرأة القوة والحب والثقة، ستمنحكم وطناً بحجم الإخلاص، وفرحاً بنكهة الأمل وعافية بطعم الرحمة والأمان. وستلهمكم وستمجدكم و ستزرعكم نجوماً في سماء الإبداع.

مدخل للخروج:
يا امرأة توثق عصب الرؤيا والإصرار.. يا امرأة تعرف كيف تقود النصر بكل وقار.. يا امرأة بين يديها الحق شعار.. وديار تنهض خلف ديار.. لأنين الناس وللأنفاس لجرح النجوى والأقدار.. يا امرأة صارت في خارطة المجد إطار.. يا امرأة تعرف كيف ستبني بين ضياء الحب وبين ظلام الزمن الصعب جدار..
معز – البحرين

يا نيل يا شامخ كيف بتموت؟
يا نيل يا شامخ كيف بتموت
لو رحت معاك بنعدي نفوت
***
يوم غبت وشلت الجاي والراح
البحر اتوسد بطن الحوت
والزمن الخالد مات وارتاح
والدنيا بلاك لا حس لا صوت
***
يا وردي الخالد في الأزمان
ح تظل راجياك ضفاف وبيوت
بنستناك في كل مكان
ما سترنا انت وورق التوت
***
يا سيد الروعة ونبض الروح
الشمس اندفنت في تابوت
والنجمة تنوح في ليل مجروح
والغنية حزينة وآه مكبوت
***
لا نغمة سعيدة تهدّي البال
لا حلم عنيد وحنين مختوت
في ضل الشوق وصباح الفال
لا عافية حيل ورقيص بنّوت
***
يا قلب افريقيا ونبض الكون
يا ذخر الأمة دهب ياقوت
يا نخلة حلفا وسر اللون
في أرض اختارت فنك قوت
***
يا وردي العايش في الأعماق
يا ساحر انت بدون كهنوت
يا نور مستشرق في الأحداق
البصدح مين والدنيا سكوت؟
***
يا نيل يا شامخ كيف بتموت
لو رحت معاك بنعدي نفوت.

مدخل للخروج:
اللهم أرحمه وأسكنه فسيح جنّاتك
اللهم باعد بينه وبين خطاياه كما باعدت بين المشرق والمغرب
اللهم نقّه من الخطايا والذّنوب كما يُنَقّىَ الثّوب الأبيض من الدّنس
اللهم أغسله بالثلج والماء والبرد
اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله
اللهم أجمعنا وإيّاه في مستقرّ رحمتك
اللهم إنّا نسألك بإسمك الأعظم أن توسّع مدخله
اللهم آنس في القبر وحشته
اللهم ثبّته عند السُّؤال
اللهم لقّنه حجّته
اللهم باعد القبر عن جنباته
اللهم أكفه فتنة القبر
اللهم أكفه ضمّة القبر
اللهم أجعل قبره روضةً من رياض الجّنّة ولا تجعله حفرة من حفر النار
اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيّئاته
اللهم ألحقه بالشُّهداء
اللهم أفتح عليه نافذة من الجّنّة وأجعل قبره روضةً من رياضه

وإنّا لله وإنّا إليه راجعون..
ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم..

أتلقى عشرات الرسائل عبر البريد الإلكتروني وعبر مواقع التواصل الإجتماعي من خريجي الجامعات السودانية خاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا الحيوية وفي مجال الطب والصحة وكلهم يحملون دوافع عظيمة لمواكبة البحث العلمي ومواصلة العطاء في مجالهم، وهم في غاية الإستياء والإحباط بسبب ما يعانونه في السودان حيث لا مستقبل لهم ولا رعاية من الدولة أو الجامعات ولا رغبة في تطوير البحث العلمي والإهتمام بهؤلاء الشباب الذين هم وقود النهضة ومستقبل الوطن. ولقد أدهشني الرقم المرصود في ميزانية الدولة للبحث العلمي وهو رقم لا يوازي مرتب عامل في اسرائيل.
ولا يزال الكثيرون يستفسرون عن الطب الجزيئي الذي هو أحدث فروع الطب ذات التخصص العالي وكيف لدولة صغيرة في حجمها عظيمة في عطائها مثل مملكة البحرين أن تتبنى مشروعاً رائداً في الطب الجزيئي يضعها في مصاف الدول المتقدمة ويمنح باحثيها وخرجيها فرصة العطاء العلمي المتقدم في مجال حديث يركز على فهم الجزيئات الرئيسية لوظائف الجسم والتي لها علاقة مباشرة بالآليات الأساسية للأمراض ويستخدم وسائل الأحياء الجزيئية والخلوية والكيمياء الحيوية وعلوم الجينات والمناعة ، وذلك لدراسة الأمراض الوراثية والأمراض المكتسبة وذات الصلة بالطفرات الجينية التي منها على سبيل المثال مرض السكري والحساسية وأمراض الدم والشيخوخة والأورام والتشوهات الخلقية إلى آخره. ويهتم الطب الجزيئي أيضاً بتغيير التكوين الجزيئي للمركبات الكيميائية والبروتينيات لتطوير وسائل التشخيص والعلاج والوقاية من المرض.
لقد قدمت مشروعاً عظيماً للدولة في السودان يحقق الآمال المنشودة للتطور العلمي ويمنح الباحثين وخريجي الكليات العلمية فرصة الإبتكار والإكتشاف والدراسات العليا في أحدث علوم الطب، ويحقق للوطن عائداً مادياً كذلك حيث يربط التقنية الحيوية بالصناعة في مجال الصحة وبالأكاديميا والتعليم المتواصل. هذا المشروع قوبل بالتجاهل وعدم الإهتمام أرجعتها لأسباب كثيرة وهي دون شك معلومة لدى الجميع.
وحين ابتدرت مثل هذا المشروع لجامعة الخليج العربي قبل عدة سنوات في إطار الدور الخليجي والعربي الهام الذي تقوم به في مجال التعليم والصحة والتواصل العالمي الذي تتبناه احتفلنا بحمد الله الأسبوع الماضي تحت رعاية معالي الدكتور ماجد بن علي النعيمي وزير التربية والتعليم بمملكة بحفل الافتتاح التشغيلي لهذا المشروع الذي توج بقيام مركز سمو الأميرة الجوهرة الابراهيم للطب الجزيئي وعلوم المورثات والأمراض الوراثية والذي تزامن مع انعقاد المؤتمر العلمي الثامن للمركز واللذان عقدا بعد جهود متواصلة لوضع البنية التحتية للمركز وتجهيز عياداته، إذ استقطبت جامعة الخليج العربي العديد من الكوادر العلمية والطبية والفنية طوال الأشهر الماضية كما عملت على توفير التجهيزات والمعدات التكنولوجية المتقدمة لتوفير الخدمات العلاجية والتشخيصية والبحثية والتعليمية الحديثة بتكلفة بلغت حوالي 50 مليون دولار أمريكي مما يتيح لمركز الأميرة الجوهرة الدخول في المنافسة العالمية في هذا الجانب الحيوي من العلوم الطبية والإكلينيكية.
ويعد انطلاق خدمات مركز الأميرة الجوهرة في مجال التشخيص الجزيئي حيث يقدم المركز أكثر من ألف فحص وراثي وحيوي مع خدمات مستشفى الجوهرة للخصوبة والتشخيص الوراثي إضافة نوعية في الطب الجزيئي والإخصاب، في الوقت الذي يعمل مركز الأميرة الجوهرة على تنمية البحث العلمي في مجال علم المورثات الذي يمثل ثورة طبية عالمية حرصت جامعة الخليج العربي على مواكبتها، إذ سيعمل المركز على توطين الوقاية والعلاج والبحث العلمي في الجوانب البيولوجية والتشخيصية والاجتماعية والارتقاء بالوعي والتثقيف الصحي في مجتمعات دول مجلس التعاون الخليجي.
كما يعمل مركز الجوهرة على قدر المساواة على استكمال مشروعه البحثي الذي يتميز يوماً بعد يوم بنتائجه المبهرة، وما النسخة الثامنة من المؤتمر إلا عموداً من دعاماته الأساسية. حدث هذا والمركزعلى مشارف الحصول على براءتي اكتشاف علمي كبير آخر من المؤمل أن يضع حداً للعديد من الأمراض المستعصية. لقد تحقق هذا الإنجاز من خلال كوادر مركز الأميرة الجوهرة اللذين استطاعوا من تطوير اكتشاف (إسراء) في مرحلته الثانية واختباره على خلايا الإنسان حاصلين على نتائج مبهرة ستشكل بإذن الله تعالى نقلة نوعية في العلوم الطبية على مستوى العالم بأسره.
كما نجح المؤتمر في تحقيق أهدافه المنشودة حيث تم التعريف بخدمات المركز العلاجية والتشخيصية والبحثية والتعلمية عبر محاضرات قدمها المختصون بالمركز في مجال الطب الجزيئي والوراثي، كما تم التعريف بأحدث التقنيات والموضوعات الطبية الحديثة في مجال عمل المركز ومن أبرزها احدث تقنيات التشخيص الجزيئي للتشوهات الوراثية في الجينات والكروموسومات في مراحل ما قبل الحمل وقبل الولادة ، والتشخيص الجزيئي والحيوي المتقدم في مجال طب الاطفال حديثي الولادة وصحة الانجاب عبر إستضافة تسعة أساتذة من كبار الأطباء والعلماء في العالم من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والشرق الأوسط. تم ايضاً ضمن فعاليات المؤتمر التعريف بحقوق الملكية الفكرية العلمية للجامعات و حماية الاكتشافات العلمية عبر إستضافة أحد كبار المحامين البريطانيين المتخصص في حماية الإكتشافات العلمية في مجال العلوم الطبية، كما تقديم آخر التطورات في مجال البحث العلمي بالمركز ونتائج البحث العلمي (اسراء) و دوره في علاج العديد من الامراض الوراثية و المستعصية.
بهذا الحدث الكبير الذي تناولته جميع أجهزة الإعلام العربية والعالمية – فيما عدا السودانية – فإن جامعة الخليج العربي تجدد تأكيدها من خلال كافة برامجها ومراكزها ومشاريعها التطويرية، عزمها على المضي بخطى حثيثة نحو تحقيق تطلعات قادة الجامعة التي أسست وفقها الجامعة وعلى رأسها رفد مجتمع الخليج بالدراسات والبحوث والاكتشافات العلمية الكفيلة بتنمية نهضة مجتمع الخليج الشاملة.
تجدر الاشارة الى ان انطلاق الاعمال الانشائية لمركز الاميرة الجوهرة للطب الجزيئي وعلم الموثات والامراض الوراثية ، بدأت عام 2003م من خلال التعاقد مع شركات الاستشارة و التنفيذ و الاعداد الهندسي لمشروع المبنى الدائم. و يمثل المركز خطوة رائدة على المستوى الخليجي والعربي والدولي في متابعة وعلاج الامراض الوراثية و المستعصية ، و ايضا فرصة متقدمة لتنمية البحث العلمي في مجال علم المورثات الذي يمثل ثورة طبية عالمية حرصت جامعة الخليج العربي على ضرورة مواكبتها في المرحلة الراهنة والمستقبلية ، كما سيعمل المركز على توطين الوقاية و العلاج و البحث العلمي في الجوانب البيولوجية والتشخيصية والاجتماعية والارتقاء بالوعي والتثقيف الصحي في مجتمعات دول مجلس التعاون الخليجي.. وعقبالنا في السودان.

مدخل للخروج:
لن يفديك يا وطني من لا يفقه الدرسَ.. ولن يحميك من داء طبيب يفقد الحسَ .. فيا حزني على وطني
وياحزني على جيل بلا رب و لا وثنِ.. و ياحزني على اهلي .. على من حطم الاحساس عند مداخل الامل ..
هنا مجلسْ هنا حزبٌ هنا جبهةْ .. هنا كذب هنا زورٌ هنا شُبهةْ.. هنا حس بفقد هوية الوطن ِ .. هنا قبر لعملتنا
هنا بحر من الشجنِ..

 

لون البشرة لدى الإنسان يتراوح من الأسود عند الذين ترتفع لديهم درجة تركيز صبغة الملانين قاتمة اللون إلى بشرة عديمة اللون تقريباً حيث تظهر وردية بيضاء بسبب الأوعية الدموية تحت الجلد. وتغيير اللون محكوم بتغيرات وراثية وبيئية كذلك فكلما انتقلنا إلى المناطق التي تقع جنوب الصحراء والمناطق العالية والذين يتعرضون للأشعة تحت البنفسجية يزداد لون البشرة سواداً بسبب زيادة صبغة الملانين التي تحمي البشرة من هذه الأشعة المسببة لأمراض الجلد المختلفة وأهمها السرطان. وللون الأسمر كذلك فوائد فسيولوجية هامة يفتقدها أصحاب البشرة البيضاء مثل قلة تجاعيد الوجه، قلة ظهور الشيب فلا تظهر الشيخوخة مبكراً.

وقد ردد مطربونا الكبار أغنيات أبدت الإعجاب بأصحاب البشرة السمراء مثل أغنية الجابري أسمر يا أسمر.. ورائعة حسن عطية خداري البي حالي ماهو داري وكذلك أبو اللمين يغني أسمر جميل فتان.. ومحمد وردي الليلة يا سمراء.. وكثير من الأغنيات الأخرى مثل يا الساكن قريب لي داري سامي لونو سماري. وقد ورد اللون الأسمر كذلك في الشعر العربي والأغيات العربية مرتبطاً بالجمال.

كل هذه المقدمة لأن هناك هجمة شرسة ضد اللون الأسمر الذي وهبه الله لأصحابه وعلى وجه الخصوص من تجار المستحضرات المزيفة فأغروا الفتيات وبعض الرجال بتبديل لونهم من الأسمر إلى الأبيض للحصول على جمال جذاب خاصة وأن معظم الذكور من أصحاب البشرة السمراء يميلون لصاحبة اللون الأبيض فصارت كل من تبحث عن عريس تغير لونها. المتابع لهذا الفعل المتخلف في السودان خاصة ما يطل عبر الفضائيات يجد الجنس اللطيف قد تبدلت سحنته فمن كان لونها أسمراً صارت بيضاء خاصة إذا أصبحت مطربة أو مذيعة. من لا يصدقني فلينظر إلى مطربات برنامج نجوم الغد عندما تقدمن أولاً للمسابقات والآن بعد أن صرن من نجوم الطرب في الشهر الكريم وفي برامج تراويح ما بعد الإفطاروغيرههن كذلك من مطربات ومذيعات في مواقع أخرى كمطربة شاهدتها في نجوم الغد سمراء جميلة والآن في أحد البرامج الغنائية الرمضانية بيضاء دائرية الوجه (Moon Face) بسبب الكورتيزونات في كريمات التبييض وهي تعتقد أنها أصبحت في غاية الجمال والجاذبية وكثيرات غيرها كذلك.

الشيء المضحك أن تغيير اللون غير مصاحب بتغيير السحنة الأفريقية حيث لا تزال الأنف والشفاه دون تغيير في الشكل فكريمات التبييض المميتة التي تستخدمها غالبية فتيات السودان لابد ان تصاحبها عمليات تجميل للأنف والشفاه حتى يتلاءم اللون مع الشكل. والبعض يستخدم (قدرّ ظروفك) فتجد الوجه مثل الجير واليدين مثل القطران وهذا النوع يتحتم عليه عدم الرد على الموبايل أو استخدام المايك خاصة في بداية المشوار! والله يا فتيات السودان.. والله.. ووالله ستدفعن ثمن هذا العبث بخلق الله كثيراً وما تستخدمنه في أجسادكن من مواد ملوثة قادمة من غرب أفريقيا ومركبات الدجالين الذين يتبارون في الإعلان عن خزعبلاتهم هذه عبر أجهزتنا الإعلامية التي لا يهمها سوى ثمن الإعلان وتحت أعين وزارة الصحة ستعود بأخبث الأمراض عليكن وعلى ذريتكن وانظرن ماذا حدث لمايكل جاكسون حين قرر أن يبدل بشرته من الأسود إلى الأبيض (هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه – صدق الله العظيم).

من المعروف علمياً وطبياً أن كريمات تفتيح البشرة بطريقة كيميائية تسبب السرطان والفشل الكلوي والكبدي واضطراب الجهاز العصبي الحاد و تؤثر على جهاز المناعة. تحتوي هذه الكريمات على الكثير من المواد الضارة والسامة كمادة الزئبق وغيره من المواد في الوقت الذي يروج محضري هذه الكريمات وكذلك مسوقيها على انها كريمات طبيعية خالية من الأضرار ومن الآثار الجانبية. مادة الزئبق في مستحضرات التجميل العالمية لا تزيد عن 3 مايكروجرام/جرام  وهو الحد الأقصى المسموح به بينما تصل في مركبات هؤلاء الدجالين إلى ما يصل إلى 16000 مايكروجرام أي بما يزيد أكثر من 5000 مرة عن الحد المسموح به مما يؤدي الأمراض التي أشرنا إليها أعلاه.

أتمنى أن تكون هناك حملة توعية لمضار هذه الكريمات وأن ينتبه المسئولين في مجالات الصحة والإعلام عن خطورة الترويج لمثل هذه المركبات وعدم التركيز فقط على عائد الشريط الإعلاني فأثر هذه المواد أخطر من أثر التدخين والمواد التي تحتويها أكثر خطورة من النيكوتين الذي يسبب سرطان الرئة لدى أكثر من 50% من المدخنين. ويا فتيات السودان أنتن جميلات خلقة وطبع وأنا أحد الذين جابوا الكرة الأرضية وشاهدت الجمال في كل العالم ولم أر أجمل من نساء بلادي عندما كن كما هن وكما يردد مطربنا ود اللحو يا اخوانا الجمال موجود في كل مكان لكن الجمال الأصلي في السودان. ما تعتقدن الآن انه جمال هو في الحقيقة مسخ وتشويه وصرتن مزيفات وضاع جمالكن السوداني الأصيل من وجوهكن وصرتن كالأخريات من فتيات العالم فارجعن أجمل كما كنتن وأروع كما عهدناكن وحافظن على ما لديكن من نعمة وصحة ومال نحبكم أكثر.

قليل من الماكياج مرغوب ومحبب وقليل من الإهتمام بالشكل والملبس محبذ خاصة لكل الذين يطلون عبر الفضائيات وهو أمر في غاية الأهمية حيث تعكس الشاشة صورتنا للعالم وهي تعتمد كذلك على الشكل وجاذبيته، لكن التوازن مطلوب لأن الملاحظ في في فضائياتنا إما بهدلة وعدم إهتمام وترهل أو إفراط في مستحضرات التجميل وكريمات التبييض وزركشة الملابس والثياب لحد الشذوذ.

في الختام تحية خاصة لصديقي الرائع والمذيع اللامع الطيب عبد الماجد على النيولوك وعلى البرنامج المدهش مثله وقد كنت أتابعه لايف من مدينة سان أنطونيو السياحية على الحدود المكسيكية بتكساس ولم أعرف أنه صديقي وحبيبي الجميل الطيب إلا بعد منتصف رمضان (وجه مبتسم وسعيد).. وبركاتك يا شيخنا البرعي.. ولي عودة.

مدخل للخروج:

يا اجمل من دفقات النور ومن اطياف الزمن النائم خلف السور وكل بهاء.. يا وجها علم شكل  البدر معانى الفجر واشرق سحرا ثم اضاء.. يا امرأة تغزل ضوء القمر حريرا يسطع في العلياء.. يا امرأة تقتل فينا الخوف وتطلع همسا كالايحاء.. يا امرأة كانت نبض الشعر وكانت فينا وحي  اللحظة كانت فينا بحر صفاء.. من أي زمان أي مكان أي خريف أي شتاء.. قد جئت ربيعا غمر الصيف وحول وجه الدنيا فصلا آخر حين  أفاء.

علم الوراثة Genetics هو العلم الذي يدرس المورثات (الجينات) والصفات التي تورثها وما ينتج عنه من تنوع الكائنات الحية. بدأ علم الوراثة على يد العالم المشهور مندل بدراسة انتقال الصفات الوراثية من الآباء للأبناء ونسب توزعها بين افراد الأجيال المختلفة. الصفات الوراثية تحمل الكثير من الملامح والوظائف والطفرات المتعلقة بها والتي ينتج عنها ما هو حميد وما هو غير حميد كذلك مما يؤدي إلى خلل معين يكون نتاجه انتقال مرض ما.
من الطفرات الحميدة التي حدثت أثناء التحور الوراثي للبشرية هو الإنفجار الذي تم في مجال الفن والثقافة والتعبير الفردي في أفريقيا قبل حوالي أكثر من خمسين ألف عام في أفريقيا نتيجة لتغيرات بايولوجية في دماغ الإنسان خاصة وأن اكتشاف تحور في الجين المرتبط باللغة هو الذي بدأ الثورة الثقافية وأتاح امكانية التواصل بين البشر. ولا زال هناك حديث وجدل علمي دائر منذ عدة سنوات حول مورثات الإبداع لدى الإنسان حيث يعتقد أن مورثة الإبداع قد تطورت منذ حوالي 50 ألف سنة وكانت الومضة التي أشعلت تنمية العقل الحديث.
إذن فالإبداع مرتبط بمورثات ثقافية تنتقل من الآباء للأبناء وهي قطعاً متعلقة بذكاء فطري يجعل للمبدع خاصية التفرد والتفوق ويمكن بالتالي للمبدع الحقيقي أن يورث هذا الإبداع والذكاء الفطري المؤدي للنجاح لذريته. ودائماً ما اقول المبدع الحقيقي لأن كلمة إبداع تطلق في بلادنا على أي شخص يحقق شهرة ما لأن الشهرة ليس من الضروري أن يكون وراءها إبداع إنما ضربة حظ يتحول بها المشهور إلى مبدع فجأة وتطلق عليه الألقاب العظمى المختلفة مثلما يطلق لقب الأستاذ على كل شخص عرف بين الناس بأي شيء.
كل هذه المقدمة لأن المرء يسعد ويفخر ويزدهي ولا يتعجب حين يجد أن ابناً لمبدع حقيقي ببلادنا قد انتقلت إليه جينات التفوق فأصبح من الناجحين الذين تفتخر ونعتز بهم في بلاد تعرف قيمة العلوم ومعاني النجاح. الحديث هنا عن مبدعنا وعالمنا الجليل في مجال الموسيقى الأستاذ يوسف الموصلي الذي لامس محمود ابنه فضاءات الألق الإبداعي في العلوم فغر عين والده وأمه وأسرته وأسعدنا كثيراً وأسعدني أنا على وجه الخصوص لأن ابداعه كان في علم المناعة وهو أحب العلوم إلى نفسي وهو العلم المرتبط بجهاز يحمينا من كل شرور الحياة ومن شرور أنفسنا وهو حديث طويل حتماً أعود له في محاور أخرى قريباً إن شاء الله.
محمود تخرج ببكلاريوس في علوم المختبرات السريرية في جامعة أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية وهو الآن طالب دراسات عليا ببرنامج علم المناعة بنفس الجامعة حيث يدرس الإشارات الخلوية عبر مستقبلات كريات الدم البيضاء وتطور هذه الخلايا من نوع تي. المشرق في أداء هذا الفارس هو أنه قد تحصل على جوائز ومنح عالية ومهمة وهو في بداية رحلة التفوق الكبرى حيث حصل فقط في هذا العام 2010 على جائزة اميونوجين فيشر للتفوق الأكاديمي وعلى منحة دلورس قيل كوردل الدراسية، وكان قد تحصل قبل ذلك على منحة للبحث العلمي من الجمعية الكيميائية الأمريكية عام 2008م.

هذا التفوق في مجال علم المناعة بجامعة مثل أيوا وأنا أدرك ذلك لأنني عملت بتلك الجامعة في معامل الكيمياء الحيوية في المناعة الجزيئية مع البروفيسور الأمريكي المتميز جون دونلسون عام 1995م وسجلنا براءة اختراع سوياً في ذلك الوقت وأدرك تماماً فرحة محمود وأبيه بهذا الإنجاز المقدر وهو حقيقي مفخرة لنا أجمعين. علم المناعة هذا قد أحدث ثورة عظيمة في مجال الطب والعلوم ومعظم جوائز نوبل في الطب والفسيولوجي كانت لباحثين وعلماء في هذا المجال لأن الجهاز المناعي هو الذي يحمي الجسم من كل ما هو غريب مثل الجراثيم وكل ما يلوث البيئة كما أنه يحفظ توازن عمل الأجهزة الأخرى والأعضاء والأنسجة والخلايا. لذلك أصبح هاجس العلماء معرفة آلية عمل هذا الجهاز الهام والمعقد حتى أصبح تشخيص وعلاج والوقاية من كثير من الأمراض الوراثية منها والمكتسب مرتبط تماماً بمواد هذا الجهاز من بروتينات وأحماض أمينية وكاربوهايدريدات ودهنيات مختلفة. والمولى عز وجل وهب الجسد أنواعاً من المناعة الطبيعية تبدأ من خطوط الدفاع الأولى مثل الجلد والأغشية المخاطية والأنزيمات الموجودة في إفرازات الجسد من لعاب ودموع بالإضافة للتفاعلات الأولية كالحمى التي تحمي الجسد من تكاثر الميكروبات وتزيد فعالية عمل جهاز المناعة إلى خلايا الدم وبروتيناته المختلفة التي لها خاصية المناعة الطبيعية وتشكل خط الحماية الأول بينما تشكل المناعة المكتسبة خط الدفاع الثاني القوي والمتخصص و يستبين عندما يتعرض الجسد لتحدي مناعي سابق كما يحدث في حالات العدوى الطبيعية أو الإصطناعية عن طريق الأمصال.
آلية عمل خلايا المناعة في غاية التعقيد ودراستها تعتبر من الدرسات المتقدمة والتنافس في مجالاتها في الغرب أمر صعب وهو طريق وعر لا يسير فيه ويجتازه إلا أصحاب العقول النيرة والمثابرون والقادرون على التميز المتفرد وما محمود بلال إلا أحد هؤلاء العباقرة القادمون على الطريق الصحيح. وفي مجال الحماية والوقاية منحنا قبله والده مناعة ضد الإحباط وحصننا من معاناة النفس وجعلنا نقيم المصالحة مع الحياة ومع أنفسنا ونبتسم في أقصى حالات الضيق ولا نهرب من ظلام المدينة.
وحيث أن جينات الإبداع تورث مجتمعة ومنفصلة فلابد للمرء أن يتساءل إن كان هناك إبداع آخر غير التفوق الأكاديمي الذي يتميز به محمود وكنت على يقين أن له شيء ما لعله لم ينبيء عنه حتى تأكدت بأنه عازف ترومبيت وجيتار ممتاز فاكتملت الصورة وأدركت تماماً أنني أمام مبدع حقيقي قادم على الطريق. تحية يانعة ومشرقة لمحمود ولوالده ووالدته ولأسرته الكريمة ولنا أجمعين، ودعوات مشرقة له ومستجابة بإذن الله ببلوغ أقصى غاياته وتحقيق أمنياته ليصبح أحد علمائنا الكبار في هذا المجال العظيم.

مدخل للخروج:
مذ كنت يوما يا محمد نطفة حملتك طهراً أمك.. وسَقَتك نبع نقائها فيضاً يطوف بعرشك .. يا موطني قد جاء فارس عصرك.. من يشعل الرمق الاخير يدق نعش المملكة.. يا أيها الوطن الرحيم لك التحية وحدك.. ولك السلام نوافذ الأمل المقيم لك الختام وهذه الدنيا لك.

تقوى في زهد حروفك (نون)
والقلم يسطر في نجواك فنون
و(الضاد) لغات العشق بما يصفون
يا (ألفاً) ألّف بين شفاهك
(لام) اللفظ جنون
من تبع هداك اعتنق الثورة
في أهداب الحلم نضال..
من سبق الدهر إليك
أباح الوقف على الأطلال
من نسج الضوء على خديك
أتاح الرؤيا بين ظلال
صليت عليك الفتح ربيعاً
منع الجرح عن الهذيان..
أبقيتك بيني مطراً يلهب سحبي
نزفاً يسطع بالعصيان
وسقيت رحيقك في أوردتي
نهراً يسري بالألوان
فجرتك صمتاً يزأر حولي
حممٌ تنهض من بركان
وحملتك طفلاً نام غريراً
فوق ذراعي
وملاكاً يسطع بدراً
فوق شراعي
ويفيض جلالاً بالإيمان
كثفتك برداً
ينزل ناراً فوق فؤادي
هدهدت عليك الشوق حنان
يا أجمل حرف
كتب الشعر بكل مكان
يا أروع أنثى
صاغت في تاريخ الشمس بيان
يا أعظم قول خضب في أنسجتي
من سحر البوح بنان
يا امرأة تعرف كيف
تزيح الحزن عن الأوطان
يا امرأة تملك وجه القمر
الراحل زهواً
بين النجوى والأشجان
ينبئك العمر بأني قربك
أبقى نجماً
يسمو ولهاً بالأزمان
وبصحو الرؤيا والإخلاص..
ما أجمل صوتك حين يؤذن
فتح العشق خلاص
فليأذن صدري للأنفاس
أن تستنشق عطر حنيني
في رئتيك حواس
يا امرأة جعلت صخر الأنفس
بين يديها قطعة ماس
يا امرأة تهب الحزن
نبيذ الفرحة والإيناس
يا امرأة تصقل
ذهب الدهشة بين الناس
الليل على رؤياك تمدد توقاً
والصبح استسلم للحراس
في ضوء جبينك، نهر صباك
وبرق هواك وفي الاحساس
النبض تسمر في يمناك
وفي يسراك انهمر و ساس
وتعوذ حيناً من إملاقٍ
من إخفاقٍ من وسواس
من شر الحاسد عين الراصد
والمستكبر والخناس
فاختنق الحلق ببعدك عني
واحترق المعبد والأجراس
وانهزم الجرح بقربك مني
فارتبك السهم على الأقواس
وانبثق الزمن الساكن بيني
وائتلق الكوكب والنبراس.
معز عمر بخيت

أقام النادي السوداني بالتعاون مع مركز عبد الرحمن كانو الثقافي وبرعاية محمد بن إبراهيم المطوع مستشار صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء للشؤون الثقافية بمملكة البحرين حفلاً ثقافيا وملتقى ً أدبياً وإعلامياً تحت اسم «ملتقى الأديب الطيّب صالح» بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الأديب السوداني الكبير الطيب صالح (18  فبراير 2009م) استمر لثلاثة أيام من 4 إلى 6 فبراير حفلت بأوراق قيمة حول عطاء الراحل في مجال الأدب والإعلام وآفاقه الواسعة المختلفة.

اشتملت فعاليات الملتقى على ورقة عمل وجلسة نقاش حول الأسلوب الروائي عند الطيب صالح، تحدث فيها حسن أبشر الطيب في اليوم الافتتاحي وتناول فيها محاور مختلفة أهمها إهتمامه بالشكل والمضمون، أصالة الفكر، عبقرية اللغة العربية، الفهم الكامل للفكرة التي يعنى بها، رسمه المتميز لشخصيات نابضة بالحياة والنظر إليها بعيون الآخرين، ثبات مسرح الحدث، انتقاء التكنيك الفني المناسب ثم مقدرته على تقديم إجابات مبتكرة للإشكاليات الماثلة. وعرض في ثاني أيام الملتقى فيلماً وثائقياً حول سيرة المحتفى به، وفي اليوم نفسه تناوب كل من محمد المهدي بشرى وعلي مهدي الحديث حول فيلم المخرج الكويتي خالد الصديق المأخوذ عن رواية عرس الزين. وفي ثالث أيام الملتقى تم تسليط الأضواء على تجربة الطيب صالح الإعلامية والصحافية، وتصدى لهذه المحاور كل من علي شمو وطلحة جبريل على التوالي. واحتوت الأمسية على ورقة بعنوان الصديق الكاتب (نبع الصفاء والحكمة) قدمها صديقه الحميم الأستاذ والتشكيلي الكبير الأستاذ إبراهيم الصلحي وورقة بعنوان الصوت والصدى قراءة في حوارات وآراء الطيب صالح قدمها الأستاذ الدكتور محمد المهدي بشرى. كما شهد الملتقى معرضاً على هامشه للكتاب السوداني بما فيه كتب الراحل.

إن الوفاء شيمة رائعة من شيم العظماء؛ وقد وصف المولى عز وجل نفسه به حين قال تعالى: )وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ( – صدق الله العظيم. إن شيمة الوفاء من أعظم الخلق وهي صفة نتحلى بها في مجتمعنا السوداني خاصة بعد موت الشخص حيث نعمل بتقاليد الإسلام ونذكر محاسن موتانا وكثيراً ما نفتقد ذلك بحياتهم لأسباب كثيرة.

كان الملتقى رائعاً وجميلاً ومنسقاً أتاح سانحة عظمى لتلاقي إنساني عظيم بين أفراد الجالية السودانية وبعض الكتاب والمبدعين من السودان وأيضاً رجال السياسة. وما أن يطل رجال السياسة حتى تأخذ نفسك قبضة ما وتحس بأن الهواء ملوث وأن الصدر به ضيق وبالحلق غصة. فالمرء ليعجب والله في أمر هؤلاء السياسيون الذين يتبنون الأديب بعد موته ويسافرون في كل الدنيا لتأبينه وللإحتفاء به بعد أن يكونوا قد حاربوه عصوراً طويلة ومنعوا قصصه وحظروا دراستها لطلاب الماجستير والدكتوراة في حياته، ثم فجأة يتدثرون مجده ويحفونه بكل ثياب العز بعد مماته فلا تدري هل هو وفاء حقيقي أم مصطنع لأسباب سياسية وأخرى نجهلها!

عندما كتب الطيب صالح مقاله الشهير من أين أتى هؤلاء وقال فيه: السماء ما تزال صافية فوق أرض السودان أم أنّهم حجبوها بالأكاذيب؟ ثم استرسل في حديث مليء بالشجن إلى أن قال: أجلس هنا بين قوم أحرار في بلد حرٍّ، أحسّ البرد في عظامي واليوم ليس بارداً. أنتمي الى أمّة مقهورة ودولة تافهة. أنظر إليهم يكرِّمون رجالهم ونساءهم وهم أحياء، ولو كان أمثال هؤلاء عندنا لقتلوهم أو سجنوهم أو شرّدوهم في الآفاق. ثم ختم بقوله المأثور: من أين جاء هؤلاء الناس؟ بل مَن هؤلاء الناس؟

يا سبحان الله وأنت تعيد قراءة ذلك المقال الكتاب والأهزوجة فتدمع عيناك حين يتساءل عما نتساءل عنه لماذا لا نكرم مبدعينا وهم أحياء وننتظر حتى مماتهم لنتسلق على سنابل ضوئهم لنصل إلى أقمار منيرة بذاكرتهم وعطائهم وإبداعهم الذي ملأ السماء نورا. لا وقد كان صادقاً حين قال أننا نقتلهم ونسجنهم ونشردهم ثم بعد موتهم ننصبهم أنبياء.

بقدر ما سعدت بالتظاهرة الثقافية بقدر ما استوقفني هؤلاء السياسيون الذين لا يعلم غير رب العباد من أين أتوا ليحكمونا غصباً عنا وينهبون ثروتنا ويتقاسموها في شره عجيب ويحاربون المبدعين بكل الوسائل والسبل وبعد رحيلهم يقتاتون على موائد عطائهم ويصلون ألف نافلة بلا وضوء. لقد كان حرياً بمثل الطيب أن تقدمه مؤسسات وطنه لأعظم المحافل كجائزة نوبل للآداب لأن عطاءه الأدبي فاض وغمر الإنسانية جمعاء وهو أجدر بها من كثيرين غيره.

لا أدري هل نحن أمة تعرف قيمة الوفاء أم تفتعله عند مداخل الخروج من هذه الفانية ليستقيم عندها معنى التعاضد والتكافل الذي لا يطل إلا بعد فوات الأوان. غريبون نحن حين نسخر كل ما هو ممكن وغير ممكن في الأذى والدهاء والمكر وحين يتحقق ما نصبو إليه نقف على الأطلال ونستوقف، نبكي ونستبكي ونهرع بالملايين نستقبل الجثمان ونقيم العزاء وكلمات التأبين المؤثرة بحضور ولاة الأمر وقيادات العمل السياسي ثم نكرم موتانا عند ذكرى رحيلهم بعد أن دفناهم أحياء فيا للحسرة.

الطيب صالح لا تكرمه الأحداث والملتقيات وتجمعات السياسيين فالرجل كرمته أعماله وجعلته قديساً بين البشر وجعلتنا كسودانيين نعتز ونناطح السماء طولاً ونفوق البدر عزاً والشموس وهجاً والفصول نبلاً وتحدياً وانتماء.

التحية لكل من وقف على إنجاز التكريم وساهم فيه وندعو بالرحمة والمغفرة لفقيدنا العظيم وأن ينزله الله منزلة الصديقين والشهداء بإذنه تعالى. ونأمل أن نسعى لمعرفة مبدعينا في كل بقاع الرض لنكرمهم وهم أحياء لا أن ننصب حول أعناقهم مشانق الإقصاء والتبخيس ونمارس عليهم ثقافة الحقد والحسد والتهميش، وأن نعلم أبناءنا قيم الوفاء للمبدع في حياته ليكونوا قدوة لهم في العطاء وحب الوطن. لقد تعلمنا بالمنتدى الكثير عن حياة فقيدنا وعن مجالات ابداعه المتنوعة وعن محبته لوطنه وللناس وللآخرين ولم يتبق لنا مما نود معرفته عنه سوى إن كان أديبنا يشجع الهلال أو المريخ! ونواصل..

مدخل للخروج:

حيثُ  التَفَتُّ، أرى ملامحَ موطني وأشُمُّ  في هذا التراب ترابي.. لم أغتربْ أبداً فكلُّ سحابةٍ زرقاءَ فيها كبرياءُ سَحَابي.. إنَّ النجومَ الساكناتِ هضابَكمْ ذاتُ النجومِ الساكناتِ هضابي..

معز – البحرين

 

عندما ذهبت إلى السويد في بعثة على منحة دراسية في سبتمبر عام 1988م وبدأت تخصصي في أمراض المخ والجهاز العصبي ورسالتي للدكتوراه في الطب كانت كل الأشياء رائعة والحياة جميلة ومهيأة للعطاء. وبالرغم من عدم وجود سفارة بالسويد إلا أن سفارتنا ببون في ذلك الوقت كانت تؤدي مهامها تجاهنا على الوجه الأكمل إلى أن حضر الأخ النبيل عبد الرحمن محمد عبد الله ضرار وأعاد فتح السفارة السودانية باستوكهولم والتي سعدنا بها أيما سعادة وللأمانة والتاريخ كان الأخ عبد الرحمن نعم الرجل والإنسان السوداني الأصيل.
ثم جاء إنقلاب الإنقاذ وحضر للسفارة موظف دبلوماسي لم يكن ينتمي للحركة الإسلامية لكن أحد المبعوثين المنتمين لها تمكن من السيطرة عليه فمارس الإثنان نوعاً من الحقد الدفين على المبعوثين مع التركيز الشديد على شخصي بنوع من الأذى ما أنزل الله به من سلطان، فأوقف ذلك الموظف بعثتي لعامين وحرمني من كل مستحقاتي وقال لي بالحرف الواحد عندما زارني في منزلي: بالله انت طالب؟ حسة في طالب ساكن في بيت زي ده؟ هذا بدلاً من شكري على استضافتي له والترحيب به مع أنه من أثرياء تجارة الطوب في السودان!! ولم يكن للسفير أن يمارس عمله في زخم الفوضى وتفشي السيطرة والإرهاب والتهديد والوعيد في ذلك الوقت المخيف من عمر السودان في بداية التسعينات فلم أستطع رد الظلم والقهر عني إلى أن جاء نصر الله عندما تم تعيين الفريق أول ركن محمد زين العابدين عليه رحمة الله سفيراً للسودان بالسويد.

ما كنت أعرف الرجل من قبل لكنني شاهدته على التلفاز قبل سفري للسويد عندما زار منطقة ميوم بالجنوب لتقديم التهنئة والتحية لقائد قوتها العسكرية العميد عمر حسن أحمد البشير وجنوده الأشاوس الذين حرروها من قبضة المتمردين بعد معارك شرسة. ولقد انطبعت صورته المشرقة في ذاكرتي منذ ذلك الحين إلى أن حضر إلى السويد فأيقنت أنني على موعد مع رجل شهم وأصيل لا يخشى في قول الحق لومة لائم.
لم أشأ أن أخاطبه مباشرة وأشكو إليه ما حاق بي من ظلم كبير، فتمهلت إلى أن أعرف عنه ما تيسر من الإنسانية فلم يطل انتظاري لأن الرجل كانت سيماه دليلاً على نبله وخلقه الكريم وعلى شجاعته وإنسانيته وشخصيته القوية. فمنذ الأيام الأولى أقام أعظم الصلات مع الجميع وجعل للدبلوماسية معنى أن تكون فتطورت العلاقات السودانية الإسكندنافية وسهل أمور المقيمين جميعهم الطالب والعامل والمتزوج من سويدية حتى اللاجيء الإقتصادي والسياسي والإنساني.
كان مثقفاً وقارئاً نهماً ومطلعاً وكاتباً ومتعلماً يجيد المعرفة والدبلوماسية والعسكرية، ولم توقفه مهامه عن طلب العلم فبرغم المنصب وأعبائه واصل دراسته العليا فنال شهادة الماجستير من جامعة أكسفورد وبدأ في التحضير لنيل شهادة الدكتوراه.
بعد وقت قصير قررت أن أكتب له عما وقع بي من ظلم عظيم وقلت لنفسي أن قراره سيكون عدلاً حتى وإن لم يأت في مصلحتي فالرجل ليس له مثيل فيما كنت أرى فبادرته القول في مطلع رسالتي بالآتي:
سعادة الفريق أول محمد زين العابدين/ سفير جمهورية السودان بالسويد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في ذاكرة المرء ترقد مسافات من الفرح الغائب، وما بين عذوبة الذكريات وامتداد الغربة يظل الوطن متقداً في كل خلايا الاحساس. وهكذا نحن.. نبحث عن الدفء الإستوائي الفريد في بلاد (تموت من البرد حيتانها). ومقدمكم سيدي السفير كحضور النجم القطبي في ليل الشتاء الطويل، طالعاً من صحراء العتمور وأودية الكرمك إلى وهج السحر الساكن في جبل مرة وراحل إلى أقصى نقطة في نمولي وحلفا:
من نخلاتك يا حلفا
من غابات ورا تركاكا
من دارفور الحرة نبيلة
لكل قبيلة على التاكا
فالناس هنا يا سيدي يسكن البرد والجليد في نفوسهم المتعبة برهق الإنتظار الطويل لشيء لا يجيء، فمرحباً بك شعاعاً سودانياً في زمان خفتت فيه كل الأضواء.
لعلك سيدي لا تمثل ترحاباً عادياً كسفير جديد، فالسفراء كثر، ولكن مقدمك في هذا الميقات له طعم آخر ومذاق خاص. فأنا لم أعرفك شخصياً ولكنني أذكرك جيداً من كلام البسطاء من بني وطني في وقت عاصرته بكل مداخل العمق بتكويني، فتلك (وثبة الأسود) وهذه (غضبة الحليم) امتداداً لا ينفصل اليوم من أم المعارك وذكريات صلاح الدين الأيوبي في حروبه الصليبية التي تخرج الآن من جديد. فوثبة الأسود وغضبة الحليم وشيكان واستشهاد جدي الأمير عثمان أزرق في كرري وهو يؤدي الصلاة بعد المعركة، ثم القادسية الأولى واليرموك ودخول عمر بن الخطاب لبيت المقدس على ظهر حمار لهم الآن أمامي علامة للساعة وانتصاراً للحق في كل أشكاله. وليكن دخولك لهذه المدينة كدخول الخليفة عمر إلى فلسطين وصلاح الدين إلى بيت المقدس، وليكن مقام العدل عندك كما كان لدى الخليفة عمر بن عبد العزيز. فألف ترحاب بك أخاً وصديقاً وسفيراً لوطن عظيم في بلد رائع، ثم رويت له مظلمتي في عشرين صفحة وأرفقتها بكل مستندات الظلم الأسود والحقد الدفين الذي مارسه علي موظف السفارة.
الرجل لم يرد على رسالتي الطويلة سوى بخطاب مقتضب ذكر فيه بأنه سينظر في الأمر وسيحقق فيه وسيتخذ ما يمليه عليه ضميره. كان محمد زين عليه رحمة الله يفوق حد الوصف في دماثة خلقه وعدله وإنسانيته. لم يخش بطش مبعوثي (الكيزان) وتهديداتهم كما فعل ذلك الموظف ولم يكن ليتحيز لشخصي لمجرد رسالة سطرتها إليه وليس بيننا معرفة سابقة، فكما قاد معارك الشرف وقاتل في سبيل الحق على الأرض كان هذا ديدنه على الورق وصحائف الدبلوماسية، فقرأ وحقق ودقق وتبين له مدى الظلم الذي وقع علي ولم يتردد حينها في مخاطبة المسئولين بالدولة على أعلى المستويات وحدثهم عن الفوضى والعبث وطالبهم بإرجاع الحق لأهله وألا يأخذوا الناس بالشبهات، وقد كان بالفعل أن عادت الحقوق لأهلها ورد الله الظالمين بخيبتهم إلى يوم الدين بإذنه تعالى حيث يلقون الجزاء الأعظم.
هذه هي أخلاق الرجال وليس كل الرجال لكن العظماء منهم، والرجل كان عظيماً في حياته ومخلصاً لعمله ووطنه وأهله ودينه ودنياه. لقد رحل عنا في هذه الفانية لكنه سيظل متوهجاً بدواخلنا كشمس لا تغيب فلقد ترك أنبل المعاني وأعظم القيم في نفوسنا وترك ذرية صالحة وزوجة كريمة ومحبين له من كل الأجناس وفي جميع المحافل.

اللهم أرحم أخي وصديقي الحبيب الغالي محمد زين العابدين وأسكنه فسيح جنّاتك. اللهم باعد بينه وبين خطاياه كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقّه من الخطايا والذّنوب كما يُنَقّىَ الثّوب الأبيض من الدّنس.. اللهم أغسله بالثلج والماء والبرد.. اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله.. اللهم أجمعنا وإيّاه في مستقرّ رحمتك. اللهم إنّا نسألك بإسمك الأعظم أن توسّع مدخله.. اللهم آنس في القبر وحشته وثبّته عند السُّؤال ولقّنه حجّته وباعد القبر عن جنباته وأكفه فتنة القبر وضمته وأجعل قبره روضةً من رياض الجّنّة ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيّئاته. اللهم ألحقه بالشُّهداء وأفتح عليه نافذة من الجّنّة وأجعل قبره روضةً من رياضه.. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

مدخل للخروج:
لتبق يا وطن.. هناك في العميق شعلةً تنير مسلك الزمن.. ستعلم الشوارع البحار و الشطوط و القمم.. بأننا عوالم من الردى تجيء.. و أننا من المياه قطرةُ.. و من موافقد اللهيب جمرةُ.. و من قواعد الشموس نجمة تضيء.. فكان عندما توحّدت مقاطع الهتاف بيننا و أشرقت قوافل النضال فوق دربك الوضيء.. رفضت كل اوجه الضلال باسم من تنصلوا و عدت حاملا حقيقتي وصحوي الجديد و السلام و الُمنى.. و منك قادم اليك أهتدي بك.. شارعا أسنّتي و طابعا على الزمان شارتي و لا أود غير بيتك الامين موطنا.. و لا أحب غير ان اكون فرحة الصغار وقفة الكبار حين تسقط الأنا..

لم تأت ِ الساعة لم تأت ِ
في لحظة توق لم تأتِ
والساحة حيرى ترمقها
والدنيا مطرقة تحتي
تنتظر مليكتها ترنو
تفرد في لهف أشرعتي
لا طلت نحوي لا بانت
لا هلّ بريق مفاجأتي
لا أبحر زورق أنفاسي
لا ذاب الشجن بأوردتي
والتهب الهَمُ باحساسي
وانتشر الحزن بأنسجتي
لم تأت ِ الساعة لم تأت ِ
فامتزج الجرح بأتربتي
وامتلأ الموكب بالنجوى
وانتحرت قافلة الوقت ِ

***
كم رمقت عيني آفاقاً
فاعتكف الليل بساريتي
والحلم تشتت في صحوي
والطيف تناثر في بيتي
والنبض تسمّر في صدري
والبوح تفجر في صمتي
والأفق تمطي مشدوهاً
يدنو لسمائك ساحرتي
تبقين بعرشك شامخة
كالكوكب ساطعة أنت ِ
والشمس ضياؤك يطفؤها
والشعر جلالك ملهمتي
لدعائي أنت قداسته
مولاتي أنت وسيّدتي
بالحمد تلوح فراسته
بمقامك تخفت مقدرتي
لم تأت ِ الساعة لم تأتِ

***
قد ظل حنيني منتظراً
فاتنة الحسن وفاتنتي
يا ملكة كل الأزمان
عن زمن الوعد تخلفت ِ
يا وهج الحق بأوطاني
يا همساً يهدر في صوتي
يا حلم الآه برؤياك
يا لوحة عشق يستفتي
تاريخ الجرأة في دمه
ماء الغليان على الزيت ِ
في غضب الشارع إن هبت
ريح الأشواق بذاكرتي
أو عطف حنان شواطئنا
مخزون الطاقة في رئتي
عصفورك غرد في بابي
فانشق القمر بنافذتي
معشوقك أسمو من ولهي
مقتولك أحيا في موتي.

 

 في مقالات سابقة تحدثت عن ثقافات مفقودة لدينا تناولت فيها ما حل بالوطن من تدهور في كل المجالات بدءاً بالسياسة ومعاني الإنتماء للوطن. شمل التدهور منذ خروج المستعمر الخدمة المدنية، التعليم، الصحة، الأمن، الضمان الإجتماعي، الغذاء، المسكن، العادات والثقافات، الحرية، العدل والتنمية وكل أشكال الجمال.

وحديثاً فطنت الدولة عبر إداراتها الإعلامية إلى أن شعارات العقيدة لن تجدي نفعاً كثيراً وأصبحت المتاجرة بها ليست من الأهمية التي تحافظ بها على السلطة وتشد الجماهير وانتبهت بذكاء إلى أنه من أجل الإستئثار بالسلطة والثروة عليها جذب الجماهير المغيبة عن طريق الرياضة أولاً ثم الغناء فتم صرف البلايين من الأموال السائبة لإلهاء الأمة عن البناء والحقوق المدنية وذلك بشراء المحترفين بدولارات تكفي على الأقل لاستبدال الأدوية الفاسدة التي تقضي على أبناء شعبنا المغلوب على أمره. ثم بعد ذلك استشعرت السلطة أن مسألة الكرة هذه ليست عملية مؤسسية تصلح لأن تلهي 40 مليون نسمة في ضوء الفشل في تحقيق أي بطولة معترف بها دولياً مهما صغر حجمها وبعد أن استنفذت الشعارات الدينية أغراضها فاتجهت إلى الغناء كآخر مسمار في نعش الوطن.

بدأت استراتيجيتها بالغزو الفضائي فجعلت مؤسساتها الفضائية الموجودة والتي انشأتها تركز على الغناء والطرب وعلى جذب الإنسان السوداني لساحة الغناء خطوة خطوة. كانت ضربة البداية فيها تجويع المواطن فنياً حيث تم تحريم الغناء العاطفي خاصة الذي به كأس وخمر وقبلة سكرى وزهرة ونجمة وعناق. فتبنت غناء الحروب وأناشيد الجهاد ثم غزت دنيا المديح على شاكلة (بقيع زي ده اصلو ما شفنا)، ثم تم اجترار ألحان أغنيات الحقيبة فصارت قاعدة اساسية لفن المديح ثم ظهرت المغنيات المادحات على الفضائيات وهن يتنقلن نشوة بين طاولات الحضور يبشرن بالخير والجميع يتراقص في طرب يسمونه عرضة وهي نوع من الرقص لا يختلف عن اللامبادة والسالسا والجيرك والسيلساو. وكما يرقص قادة الولايات المتحدة وأوروبا الفالس و التانقو يرقص قادتنا العرضة على إيقاعات السيرة وبإجادة واقتدار يؤكده أصبع واحد مرفوع إلى أعلى وعصاة تحلق في عنان السماء.

وسرعان ما أدرك إعلامنا المبرمج الذكي أن مسألة المديح وحدها لا تكفي فجعل (الغُنا) هو سيد الموقف فتحولت الفضائيات في رمضان إلى ساحة غناء تلف وتدور في نفس الدائرة. وأصبح أي حديث أو ملتقى يتوسطه فنان لزوم الإستراحة المتعبة فيمكن أن تستضاف دبلوماسيات وتحشر بينهم مطربة أغاني بنات لا علاقة لها بحديث الدبلوماسية السلس لكن حيث أنها استراتيجية دولة فلا بد من حشر مثل هذه الفنانة بأي ثمن. وفي أحيان كثيرة أخرى يدّعون أنهم يوثقون لهذا المطرب وذاك المغني وجميعه توثيق من أجل الونسة (الساي) وبعيد كل البعد عن المنهجية والعلمية والتدقيق بل يعتمد على الحكايات المعلقة بأهداب الذاكرة الموبوءة بالنسيان ومصاحب بأغنيات المطرب وهو أصلاً سبب الإستضافة وليس تفنيد ابداعه وترسيخه في وجداننا وذاكرتنا، ثم يعيدون نفس التوثيق المرتجل لنفس الفنان والوطن بأجمعه يتأوه بتراويح الأغنيات الخالدة والدولة وعلى أعلى قممها تحتفي بهذا الغناء وتستضيفه وتكرمه تشجيعاً مبرمجاً له بعد أن قتلته ذات يوم، ثم تدور الحكاية من قناة لأخرى حتى صار المطربون والعازفون مقدمي برامج كذلك. وحديث الذكريات نفسه لا يدعونه يستمر ففي قمة الإنتباه للقصة يتدخل المقدم ليريحنا عنوة بأغنية ويهزم تسلسل انتباهنا للحكاية هذا غير التوقف لفاصل إعلاني أو تقني يقطع بسببه الحديث مهماً كان جذاباً ومهماً.

الإهتمام بالفن أمر حميد دون شك فالفن هو لغة التواصل بين الشعوب (طبعاً كلمة التواصل وكلمة أكيد وكلمة بنحييه هي دمغات ثابتة لدى مقدمي البرامج) وهو احساس يلون الوجدان بلهيب الشوق لعافية الفصول حين تستنطق الأفئدة مواسم الفرح الجميل بالرغم من أن التوجه للغناء لم يكن من أجل تطوره ورفعته بل حقيقة من أجل اللهو لا أكثر كمنفذ من عتمة الفشل السياسي فكان هذا الغناء فاشلاً بالطبع كما فشلت الرياضة والدليل على فشل الغناء ما رأيناه في كل محافل البرامج الغنائية على جميع الفضائيات السودانية بلا استثناء. الشباب تائه بين القديم وبين جديد ينقل فن الغناء والطرب والموسيقى خطوة إلى الأمام ومن يحاول أن يجرب يتم عزله ومحاربته، أما قدامى المطربين فقد شاخت أصواتهم ويصرون على الغناء في نفس المربع بدلاً من الإتجاه لرعاية الشباب والإستفادة من تاريخهم الطويل في صنع الجديد والإقتداء بتجربة عظيمة قدمها الراحل مصطفى سيد أحمد وليس السباحة في بحر القديم من مشروع الأغنية السودانية فلم يكن هناك ما يبعث الأمل في النفس على أن الشيء الوحيد الذي تبقى  لدينا سيعيد البسمة لوطن ضائع.

الأسوأ من الغناء المظهر القبيح الذي يبدو على من يطل عبر شاشاتنا خاصة الجلسات على الكراسي فثقافة البنبر لا زالت سائدة (فيتفرشخ) بعض المطربين وبعض الضيوف في الجلسة ( والأرجل كل واحدة في بلد) ومعاها هزة كمان وبدلاً عن الجلوس والظهر مفروداً و الأرجل مضمومة تجدهم نائمون على الكراسي يتأرجحون ويتأوهون وليس من مخرج أو مساعد له ينبه لمثل هذه الجلسات. والأدهي حين يلبس الضيف أو المقدم الجاكيت فثقافة لبس البدل لا زالت ضعيفة فلا يعرف من يلج فضائياتنا وعلى كل المستويات أن البدلة وأنت واقف لابد من إغلاق الزرارة العليا أو التي في الوسط ومن ثم فتحها عند الجلوس وتكرار هذا الفعل طوال الإنتقال بين الجلوس والوقوف. نعم نحن شعب نفتقد ثقافة الاتكيت على كل المستويات ولا نعرف مزج الألوان ونقلد تقليداً أعمى في كل شيء ولذلك ضاع أجمل ما لدينا وتاهت كل أشكال الجمال وكان آخرها الغناء فيا حزني حقيقة على وطني ويا ألمي عليه.

حاولت أن أبحث عن شكل جمالي كان سائداً من قبل فلم أجد والله شيئاً يذكر، فكما بدل الناس ألوانهم السمراء وحولوها إلى بيضاء مهترئة خاصة المذيعات والمطربات، وهذا أمر آخر في غاية الخطورة سأعود إليه لاحقاً، بدلوا اخلاقهم فصرنا لا نثق بأحد ولا نأتمن أحداً على شيء. الكل ينهش في الكل (وطاقية ده في راس ده). بالطبع كل هذه الأمور مقبولة في ظل الإنهيار الإقتصادي والأخلاقي والتهديد بتفكك الوطن إلى دويلات لكن ما ليس مقبولاً هو أن يموت الجمال ويستشهد الفرح وتنتحر الأصوات الرائعة وينتحب الغناء.

مدخل للخروج:

ماذا سنفعل والهُدى قد تاه في بحر الخطايا غام في زخم الضلال.. مأذا سنفعل في هوان الناس في الوطن الرحال.. في كل شبر حكّم الإخفاق نهر الحزن فينا في امتداد الأرض والغابات والليل المخيم في الجبال.. باسم الحضارة نهج وثبتنا الفتية قد تحولنا جماداً واكتئابا وانعزال.. وتمزق الوطن الجميل ومات إحساس الجمال.